أحمد بن سهل البلخي

427

مصالح الأبدان والأنفس

وأمّا شرب الغبوق الذي هو شرب العشيّ ، فإنّه شرب محمود ، وما زال استعماله من مذاهب الملوك والحكماء ؛ لأنّه يتناول عند استقرار الطعام في المعدة ، وحاجته إليه ليعين على الهضم ، فيتعلّل به / المتعاطي له إلى أن يبلغ حاجته منه عند مضيّ صدر من اللّيل ، فيلحق « 1 » نوما على وجهه ، وانتباها لوقته ، ويجتمع له إلى هذه المصلحة في أمر بدنه أنّه يجلس ليشرب في آخر نهاره ، وبعد قضاء أوطاره من أشغاله ملكا كان أو سوقة ، فيحصّل نيل اللذّة في غير إضاعة واجب ، ولا تأخير لمهمّ . وإذا اختير وقت الشرب من اللّيل والنهار ، فآخر النهار أصلح له من أوّله لما وصفناه ، وأوّل اللّيل خير من وسطه وآخره ؛ لأنّ السهر على الشارب ، وإحياء اللّيل به ، ضارّ للبدن ، معقب لأعراض رديئة . وإذا اختير وقت الشرب من فصول السنة ، فالشتاء أصلح من الصيف ؛ لأنّ آلات الغذاء والهضم تقوى في الشتاء ، لغؤور « 2 » الحرارة ، واستبطانها الجسد ، فكما أنّها توجد على هضم الطعام أقوى ، كذلك تكون على هضم الشراب أقوى . وأمّا في الصيف فإنّ القوّة الهاضمة تضعف عن هضم الشراب ، / كما تضعف عن هضم الطعام ، وتجتمع إلى حرارة الزمان حرارة الشراب ، وتعقب المضرّة ، فلذلك يجب أن يكون الشراب فيه أقلّ . والشرب في الخريف أصلح منه في الربيع ؛ لأنّ الخريف في طباعه بارد يابس ، والشراب « 3 » بحرارته ورطوبته يصلح من مزاجه ، ويسخّن الدم الذي قد عرض فيه عارض البرد واليبوسة ، فهذا الفصل من موافقته للشرب شبيه بفصل الشتاء ؛ وذلك لأنّ الخريف مناسب للشتاء ، وهو من حيّزه .

--> ( 1 ) أي : فيلحق ذلك الشرب . ( 2 ) الغؤور : الدخول في الشيء ( القاموس المحيط غ ور 1 / 632 ) . ( 3 ) في ب : فالشراب .